حين تجرأ الأهلي على استفزاز كامب نو.. وابنه العاق سدد الطعنة الأولى
بقلم: د. طلال عثمان متخصص في الإعلام الرياضي
برشلونة، 19 أغسطس 2026
في واحدةٍ من تلك الليالي التي تصنع فيها كرة القدم مفارقاتها الخاصة بيد شقية، وقف حمزة عبد الكريم أمام الشباك الذي طالما احتفى بأهدافه وهو يرتدي القميص الأحمر، ليسدد الكرة في نفس تلك الشباك، ثم يجمّد جسده رافضًا الاحتفال. لم تكن تلك مجرد لقطة عابرة في مباراة ودية، بل ملخصًا كاملاً لليلة استثنائية شهدها ملعب "سبوتيفاي كامب نو"، حين استضاف برشلونة النادي الأهلي المصري في النسخة الحادية والستين من كأس "جوان جامبير"، وخرج الفريق الكتالوني فائزًا بصعوبة لافتة بنتيجة 2-1.
الحدث في جوهره لم يكن كرويًا بحتًا، بل كان محطة تاريخية بامتياز: فللمرة الأولى في تاريخ هذا التقليد العريق الممتد منذ أكثر من ستة عقود، يحظى ناديٌ إفريقي بشرف الوقوف على أرض الكامب نو ضيفًا على عملاق كتالونيا. وقع الاختيار على الأهلي، أكثر الأندية تتويجًا بالقارة السمراء، ليكون سفيرًا للكرة الإفريقية في موعدٍ لطالما اقتصر على كبار أوروبا وأمريكا الجنوبية. وحده هذا التفصيل كان كفيلًا بمنح المباراة معنى يتجاوز نتيجتها.
لكن الحكاية الأكثر إنسانية في هذه الليلة كانت حكاية حمزة عبد الكريم نفسه. الشاب المصري الذي شقّ طريقه في أكاديمية القلعة الحمراء قبل أن يرحل إلى برشلونة في فترة الانتقالات الشتوية الماضية، وجد نفسه فجأة قائدًا لهجوم أحد أعظم الأندية في العالم، متقدمًا في الاصطفاف على لامين يامال نفسه وعلى القائد الجديد رافينيا. وحين سجل هدف التقدم في الدقيقة الثلاثين، بدا وكأن القدر أراد أن يذكّره، وأن يذكّر الجميع، بأن الطريق من ملاعب القاهرة إلى قلب أوروبا لم يعد حلمًا بعيد المنال. رفضه الاحتفال لم يكن سوى شهادة وفاء لناديه الأم، تلك اللمسة الإنسانية التي تصنع الفارق بين لاعبٍ عابر ونجمٍ يُحتفظ بجذوره.
قبل الاستراحة، أضاف رافينيا الهدف الثاني من ركلة جزاء في الدقيقة 45، ليمنح فريق هانسي فليك أفضلية مريحة بهدفين نظيفين في الشوط الأول، في مباراةٍ حملت أيضًا طابعًا احتفاليًا خاصًا مع التقديم الرسمي للصفقة الجديدة رودري أمام جماهيره، رغم غيابه عن قائمة المشاركين نظرًا لوصوله المتأخر إلى برشلونة قبل يوم واحد فقط من اللقاء. غيابات أخرى لافتة شملت أنتوني غوردون وكريم أديمي وجيسي بيسيو، في مؤشر على أن فليك ما زال يدير مرحلة الإعداد بحذر، مفضلاً منح الفرصة لعناصر شابة كحمزة عبد الكريم على حساب أسماء وصلت لتوّها.
لكن الأهلي، رغم الفارق التقني الواضح، لم يقدّم نفسه ضيفًا خجولاً على مسرح العمالقة. فبعد الاستراحة، وبفضل خمسة تبديلات أجراها حسين عموتة، مدرب "الأحمر" المغربي، استعاد الفريق المصري بعض توازنه، إلى أن جاءت لحظة أحمد سيد زيزو في الدقيقة 51، حين قلّص الفارق بهدفٍ منح الجماهير المصرية المسافرة لمساندة فريقها لحظة فخر واعتزاز حقيقية وسط عملاق أوروبي في عقر داره. المفارقة أن تلك اللحظة السعيدة لم تخلُ من الألم، إذ اضطر زيزو للخروج مصابًا بعد دقائق قليلة من احتفاله بهدفه، في تذكيرٍ قاسٍ بأن كرة القدم لا تمنح أفراحها كاملة أبدًا.
انتهت المباراة 2-1 لصالح برشلونة، وهي النتيجة الأخيرة التي يختبرها فريق فليك قبل انطلاق مشواره الرسمي في الليغا. لكن الأرقام وحدها لن تكون كافية لتلخيص ما جرى في هذه الليلة. فقد شهد كامب نو حضورًا إفريقيًا استثنائيًا كسر احتكارًا استمر واحدًا وستين عامًا، وشهد قصة لاعبٍ شاب يقف على الحدود الدقيقة بين الولاء لجذوره والطموح نحو القمة، وشهد فريقًا مصريًا أثبت أن حضوره في مثل هذا المحفل لم يكن مجاملة، بل استحقاقًا صنعته بطولاته الإفريقية المتراكمة عبر عقود.
وبين هدف لم يُحتفل به، وهدفٍ صنع فخرًا وسط الألم، بقيت هذه المباراة الودية شاهدة على أن كرة القدم، حين تتقاطع فيها الجغرافيا مع الذاكرة الشخصية، تصبح أكثر من مجرد نتيجة على شاشة تُنسى بعد أيام.